31 - 05 - 2026

رشقة أفكار | زعيم "الشورت".. الذي فقد قصره!

رشقة أفكار | زعيم

أمارس حقدا طبقيا .. هذا معروف .. فأنا رجل عامل (صحفي غلبان)، تحولت  مهنة الصحافة في نهاية حياتي إلى مصنع من مصانع القطاع العام، المطلوب تكهينها وبيعها خردة .. مثل مصانع الغزل والنسيج والحديد والصلب والبتروكيماويات والأدوية وكل إرث عبد الناصر(العظيم) المقدر قيمته بمليارات الدولارات! (نحو 1200 مصنع، منها أكثر من 750 مصنعاً مملوكاً للدولة بالكامل، قُدرت بنحو 1400 مليار دولار عند تقييمها في فترات لاحقة.(انتهت كلمة التاريخ).

اذن أنا عامل بروليتاري كادح ، من "المخدوعين" بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية، ومعادي للأثرياء وطبقتهم اللعينة الضارية الشرسة، التي تكتنز كل شيء لها من دون رحمة.. وتتوحش أموالهم بلا ضمير .. ولا نزاهة.

كمعادي للأثرياء فأنا إذن في نظر القراء، من واجبي ومن اتساقي مع مبادئي وأفكاري الطبقية ممارسة "التشفي" وعلى أوسع نطاق، وما وسعتني تلك المشاعر الرهيبة، عند "خراب بيت" أو "إعلان إفلاس" أو حتى "محاكمة و سجن"  أي من هولاء.. فلّست من طينتهم أو من توبهم!

سقوط  أي "متقيصر" - ولا أعلم مدي صحة هذا الاشتقاق (من كلمة قصر .. والأمر يحتاج إلى استاذ النقد الأدبى د. صلاح السروي، لفك شيفرة اشتقاقي) يجب ان يتوحد مع مشاعري فرحا و "زقططة" ورقص صاجات وعشرة بلدي أيضا ويتماهى معها فعددهم - المتقيصرين - سيقل ولو واحدًا! ان شاء الله البقية تأتي في حياتك.. ومادام الباب فتح، فالحبل على الجرار كما يقولون!

هذه إذن مسوغات عدم انتمائي لهذه الفئة الضالة والقلة المنحرفة .. التي ترفض توزيع ثرواتها علينا نحن معشر الكادحين والبروليتاريين والفقراء ، الذين نوعد دائما بجنان عدن في الآخرة والجحيم المقيم في الدنيا، من دون أدنى أمل في تغيير المعادلة، ولو عقدا واحدا في غمار العقود التعيسة التي لا تنتهي . لست إذن ممن يدافعون عن متقيصرين أو عن  قصور احد .. لا قصور الدولة ولا قصور المليارديرات.. والمليونيرات (الطبقة الأقل مالا!) ليست القصور مما أبكي عليه (عدا هيئة قصور ثقافة مصر التي أثمرت عقولا مشرقة ومبدعين يضيئون العقول المعتمة) .. وللحقيقة والدقة كل قصور تاريخيّة معبقة بالجمال والتاريخ تؤول إلى الدول وتمتلكها الشعوب، أنا  من عشاقها، من قصور اسرة محمد على في مصر إلى قصور إمارة ويلز ووينشستر في إنكلترا إلى آل رومانوف في روسيا. كل القصور البديعة.. من عابدين إلى القبة، ومن رأس التين إلى الطاهرة - في المحروسة - جميلة وعريقة، فقط إذا كانت مملوكة للشعب ويحق له التنزه فيها ودخولها والجلوس باحترام لثوان على فوتيهاتها وأرائكها ..

من هنا حزنت على هدم قصر أكمل قرطام .. مليارديرا كان أم مليونيرا فقط .. متظاهرا من أجل ٣٠ يونيو او منقلبا عليها .. برلمانيا معارضا كما رأيناه مؤخرا، او برلمانيا مؤيدا كما كان سابقا !.  

تاريخ أكمل قرطام مع الصحافة، ومع قصره المهدوم قبل أيام، هو مايعنيني الآن! ساهم أكمل في تاسيس المصري اليوم عام ٢٠٠٤.. لكن تجربة أكمل مع صحيفة "التحرير" تقطع يقينا بأنه مثل أي مالك صحيفة لابد ان ينحاز إلى مصالحة. لقد اشترى جريدة التحرير، في عام ٢٠١٣  وبدلا من أن يستفيد من نجاحها، ومن تجربة صلاح دياب رجل الأعمال وصاحب المصري اليوم، فإنه حقق خسائر فادحة، أدت إلى توقف الإصدار الورقي عام ٢٠١٥، وفي عام ٢٠١٩ نشبت أزمة حادة بينه وبين الصحفيين العاملين بالجريدة إثر قراره بتخفيض الرواتب وإجبارهم على العمل ساعات إضافية، واختتمت الكارثة بتصفية الجريدة في  يناير ٢٠٢٠. ولجأ الصحفيون إلى القضاء، وقضت محكمة الاستئناف الاقتصادية بتغريمه.

قرطام المعارض ليس في تاريخه مايدل على أنه من الحريصين على حقوق الصحفيين. ويبدو لي أنه يعتبر المعارضة السياسية نوعا من النزهة، والسفر أو الاستلقاء على البحر. المعارضة بالشورت لا أظنها تستقيم مع فلاحي "طحانوب" و"ميت فارس" الذين أنا منهم. لا أرى زعامة او معارضة في "شورت" أكمل قرطام ،سواء كانت معارضة على البيسين او شط الترعة، على بحر الجونة او عند قصره الفاخر (سابقا) عند  نيل منيل شيحة.. لا أرى  فيها نوعا من زعامة جديدة، بديلا لزعامة "الكاكي" للزعيم عبدالناصر، ولا حلله غير الفاخرة (١٧ بدلة وكرافته في ١٨ عاما)  ولا ارى فيها ابتكارا مغايرا للسادات، بحرصه على نجومه ونياشينه اللامعة، وعصا ماريشاليته الألمانية، بكل مافيها من إيحاءات أمسك عن ذكرها!

حرص قرطام على الظهور بالشورت في بعض الاجتماعات التي عقدها، بهدف بدء ممارسة سياسية معارضة، ولا أدري من هو المصور الذي أقنعه بذلك - على غرار نجاح فاروق إبراهيم في إقناع السادات بالتقاط  صور له وهو يرتدي الشورت (ولكن في الحمام!)، وايضا  وهو يحلق ذقنه ويتريض! - من الذي أقنع قرطام بمحاكاة السادات؟ هل يكتمل حلم الزعامة بالشورت.. وهل هو شرط؟ وهل تكوين مجموعات لممارسة المعارضة يتم على شاطيء البحر وساحل النهر؟.. حتى ترامب "اللاسع" لم يفعلها؟ كيف تفتق ذهنه عن فكرته بممارسة المعارضة وتكوين مجموعات عمل لممارسة السياسة على الشاطيء؟ سياسة أم كرة شاطئية"؟ معارضة أم سياحة.. ممارسة ديمقراطية خفيفة ام لعب مع الدلافين؟

ومع هذا .. تبقى حكاية هدم قصر أكمل قرطام مسألة مرعبة! لماذا هدمناه بكل هذه القسوة والسرعة؟ تعليقات القراء على صور الهدم كاشفة.. تبدأ بـ: "أين كنتم منذ سنوات عندما شرع قرطام في ردم اجزاء من الشاطيء والاستحواذ على هذه المساحة الضخمة من الأفدنة والأمتار المربعة"؟ "مصري اصيل معلقا على بيان وزارة الزراعة تفسيرا لإنفاذ قرار الهدم: كنتو فين وهوا بيبني؟ الرشاوي والمحسوبية هيّا اللي خلتو عمل كده، ياريت الباقي المتعدي على مجرى النهر يعاملون نفس المعاملة". "عبد الغني حشيش وجه السؤال التالي: هل صدرت تراخيص بالموافقة على البناء بيان وزارة الري لم يتطرق إلى موضوع الترخيص"؟! "حمزة طه يكتب: العيب مش عليه وإنما على المسئولين المر…."! ويتساءل "مدحت وهبة: الدولة كانت نايمة فين (ساخرا) من ميت سنة؟ الراجل عايش في القصر من عشر سنين لسه فاكرينه دلوقتي، حاسبوا الدولة ووزراة الري والمسؤولين وليه مجلس الشعب ساكت على الإهمال والراجل واخد مليون تصريح من الدولة وملكية شرعية"؟! بينما يقول "سهيل الإنساوي " هو فكرها عزلة (عزبة) ورثه. دي أملاك الشعب".. "وأبو محمد يطالب بتطبيق القانون عليه.. ويسأل ابو محمد مرة أخرى: اللي بيسأل فين الوزارة وإزاي ردم النيل وأقام البناء أقول له اسأل المحليات ودول من الشعب يعني دود المش منه فيه"!!  

السؤال المهم من فوزي سلام: "بصرف النظر عن أن الدولة كانت فين لما تم الاستيلاء على كل هذه المساحة وبنائها لتصبح قصرا لأحد رجال الأعمال وكمان عضو برلمان هل أتحاسب هذا البرلماني اللي مفروض يكون قدوة"؟ أما  ريهام فواد فلها رآي آخر صادم "أكيد عاند ومدفعش …."!

تعليقات كثيرة كلها تدور حول سبب الهدم الآن وترك البناء يكتمل والتراخيص تصدر طوال سنوات.. ولكن السؤال الأكثر الحاحا عندي هو: لماذا الهدم وقد أعلن أكمل قرطام تنازله عن قصره للدولة؟ ألم يكن واجبا تشكيل لجنة هندسية - متخصصة تتسلم منه القصر أولا، ثم تدرس ما الذي يمكنها أن تفعله به؟ لماذا يسهل هدم كل شيء عندنا بدلا من الدراسة المتأنية؟ ألم يكن ممكنا نزع الملكية لصالح الدولة ، وتعديل مسار الممشى ولو قليلا، للاستفادة بكليهما القصر والممشى؟

كان ممكنا أن نهدمه غدا أو بعد غد أو الأسبوع المقبل.. لماذا لم نتأنى ونستفيد من القصر الفاخر، ولو ببيعه وتقديم ثمنه كدعم عيني أو مادي للغلابة والمحرومين في عيد الأضحي .أليس هذا أفضل من هدمه؟ يبدو أن بعض عقولنا تخصص  هدم.. تهدم  مقابر تاريخية ومباني أثرية وتمحو وتزيل أشجارا نادرة من جذورها بلا رحمة، ولا شفقة.. ثم نزعم أننا نبني مصر الجديدة!
----------------------------------------------
بقلم : محمود الشربيني


القصر .. قبل أن يزيل البلدوزر الحجارة وأحلامه

مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | زعيم